• واشنطن العاصمة
تابعنا:

المسيب دامُلَّا – مائة من عظماء تركستان الشرقية في التاريخ الحديث

مائة من عظماء تركستان الشرقية في التاريخ الحديث – 58

وُلِد المسيب دامُلَّا عام 1884م في إحدى قرى مقاطعة “كوجا”، وكان والده “علي أخون” رئيساً للقرية. عند بلوغه سن الدراسة، تلقى تعليمه الابتدائي في مدرسة “عبد الرشيد دامُلَّا”، وبالإضافة إلى دروس العلم، تعلم مهنة النجارة.

منذ عام 1904 وحتى 1909، استقر في المدينة ودرس لمدة خمس سنوات في مدرسة القاضي “هاشم دامُلَّا” في كوجا القديمة. ونظراً لكونه شاباً مجتهداً ومنفتح الذهن، أوصاه أستاذه بالتوجه إلى مدرسة “خانليغ” لمواصلة تحصيله العلمي؛ فقضى فيها عشر سنوات (1909-1919) من الدراسة الجادة.

وإلى جانب تلقيه المعرفة على يد كبار الأساتذة، تأثر المسيب بنخبة من المفكرين والمصلحين المتقدمين، أمثال: القاضي أبي القاسم، وعبد الغفور مخدوم، وأمين خلفتيم، والمفتي حامد، وقطلوغ شوقي، وملا ثابت خلفتيم، وعبد الله النعيمي الطورفاني، وغيرهم. وعندما تخرج وحان وقت عودته، حَمَّلَهُ أستاذه عبد القادر دامُلَّا أمانة طموحاته المستقبلية في مجالات العلم والتنوير.

وعند عودته إلى مسقط رأسه، وجد أهل “كوجا” يرسفون في أغلال الجهل والخرافات، ويئنون تحت وطأة القهر، بالإضافة إلى تسلط حكومة مستبدة أذاقت الناس الويلات. وأمام هذا الواقع البشع، اعتزم أن تكون بدايته من بوابة التعليم والتنوير؛ فبدأ التدريس في مدرسة القاضي “هاشم”، ثم انتقل للتدريس في مدرسة “ساقساق” التي مكث فيها 12 عاماً.

أحدث المسيب دامُلَّا ثورة في نظام التعليم القديم الذي كان يقتصر على المواد الشرعية؛ فأجرى إصلاحات كبرى وأدخل مواد التاريخ، والجغرافيا، والعلوم، والفلك، والطب إلى المنهج الدراسي لزيادة عمق المعرفة لدى الطلاب. وسعى باستمرار لغرس أفكار شيخه “عبد القادر دامُلَّا” في نفوس طلابه، وحظر البدع والخرافات السائدة في المجتمع. وبفضل هذه الإصلاحات، تقاطر عليه الطلاب من جميع أنحاء تركستان الشرقية بعد استشهاد شيخه عبد القادر ليتلقوا العلم عنه.

في عام 1933، وتحت قيادة “عبد الحميد مخدوم”، بدأت حركة تعليمية جديدة في كوجا، وكان المسيب دامُلَّا أحد المؤيدين النشطين لحركة التجديد؛ حيث حث الطلاب على دراسة المعارف الحديثة إلى جانب العلوم الدينية، وأرسل أبناءه الثلاثة: (طالب مخدوم، وخاتم مخدوم، وعابد الدين مخدوم) ليعملوا مدرسين في المدرسة الجديدة دعماً لهذه الحركة.

في عام 1946، وبعد إبرام معاهدة السلام في “أورومجي” بين ممثلي حكومة تركستان الشرقية بقيادة “أحمد جان قاسم” وممثلي حكومة “الكومينتانغ”، ذهب المسيب مع حامد مولوي إلى أورومجي للقاء أحمد جان قاسم، حيث أطلعه على ظروف شعب كوجا ومشاكلهم وتطلعاتهم.

وفي نوفمبر من العام ذاته، افتعل الكومينتانغ “حادثة هورونباغ” الشهيرة في كوجا، وقتلوا الأبرياء واختطفوا المتنورين، ومنهم: (عزيز يوسف، ومحمد نياز ناصر اوف، وعبد العزيز حامد) من رواد حركة التعليم. فحشد المسيب دامُلَّا الجماهير لإنقاذهم، ونظم “لجنة إنقاذ” وفاوض مسؤولي الكومينتانغ حتى نجح في تحرير المختطفين.

واصل المسيب مقاومته للتخلف والبدع، وكان لا يميز في تعليم الطلاب بين غني وفقير. كما حارب سوء إنفاق الزكاة والعشور، وألغى الممارسات الخاطئة مثل “كفارة الصلاة” (المال الذي يُدفع كفارة)، وأصدر فتوى بتحريمها شرعاً. ورغم معارضة البعض له، إلا أنه وبدعم من العلماء التقدميين مثل: حامد مولوي، وعبد الله مخدوم، وصائم دامُلَّا، أُلغيت هذه العادة في مقاطعة كوجا بالكامل.

كان عالماً فاضلاً، واسع الاطلاع، ومدرساً بارعاً. وخلال مسيرته التدريسية التي استمرت 37 عاماً، خَرَّج العديد من العلماء البارزين، منهم: (حسن دامُلَّا، وصديق، ونجم الدين دامُلَّا، ومخدوم، ونياز دامُلَّا) من كوجا، و(نعمان دامُلَّا، والكاتب عمر، وشريف دامُلَّا) من شاه يار، و(إسماعيل دامُلَّا، وعبد الخالق مخدوم، وعبد العزيز دامُلَّا) من توقسون، و(يونس دامُلَّا، وأحمد دامُلَّا) من باي، و(عبيد الله دامُلَّا) من بوغور، و(محمد أمين) من آقسو، و(عبد الحكيم مخدوم) من قارغليق، و(هداية الله دامُلَّا) من كورلا، و(عابد دامُلَّا) من أورومجي، و(شاه مردان دامُلَّا) من طورفان.

توفي العالم الرباني والمصلح المسيب دامُلَّا في 17 يناير 1957، ودفن في مقبرة كوجا القديمة، تاركاً خلفه جيلاً من العلماء وإرثاً إصلاحياً لا يُمحى.

بقلم: عبد الشكور٫ ترجمة مركز الدراسات الأويغورية

تصفّح المقالات

حقوق الطبع والنشر لمركز الدراسات الأويغورية - جميع الحقوق محفوظة

This website uses cookies. By continuing to use this site, you accept our use of cookies.