مائة من عظماء تركستان الشرقية في التاريخ الحديث – 55
وُلد الحاج قاسم بن أمين عام 1904م في إحدى قرى كاشغر. بعد تلقيه التربية الأولية في كنف أسرته، التحق عام 1912 بالمدارس الدينية في قريته، وفي عام 1921 واصل دراسته في مدارس مدينة كاشغر على يد علماء مشهورين، منهم العلامة حسين والشيخ رحمة الله.
بتشجيع من حركة التعليم الجديدة التي ظهرت في كاشغر خلال ثلاثينيات القرن الماضي، سافر إلى الخارج مع أقرانه عام 1932. وفي عام 1935، التحق بأشهر مدارس الهند وهي مدرسة “فانيفوري” في دلهي، وتتلمذ على يد كبار العلماء مثل: أشفاقي رحمان، ودلايت أحمد، وعبد الرحمن فخذ الحسين. ثم انتقل في العام ذاته إلى “دار العلوم ديوبند”، حيث نهل من علوم أساتذتها الأجلاء مثل: شبر رحمان عثماني، وعبد الرحمن عمروهي، وبدر العالم سيد حسين أحمد.
بين عامي 1936 و1937، عمل لتأمين لقمة العيش، ثم التحق بمدرسة “قاسم العلوم” في لاهور (1937-1938). ومن عام 1939 إلى 1943، درس لثلاث سنوات في “مدرسة الفرقانية” بلكنو، حيث أصبح إماماً وخطيباً للمسجد هناك. وبين عامي 1943 و1945، تولى الإمامة والخطابة في مسجد “محمد شاه” في أحمد آباد، بالإضافة إلى إدارة مكتبة المسجد.
في عام 1945، ذهب إلى المملكة العربية السعودية وأدى فريضة الحج، حيث تعلم علم القراءات في المدينة المنورة على يد “القاضي الحسين الشاعر”. عاد إلى الهند عام 1946 وعمل إماماً، وفي فبراير 1948 استقر في مدرسة ديوبند الشهيرة ليدرس على يد المحدث “أنور شاه”. وبسبب اندلاع الحرب بين الهند وباكستان، عاد إلى وطنه في يوليو من العام نفسه.
من عام 1948 إلى 1954، شغل منصب الخطيب في مسجد مسقط رأسه، وأنشأ مدرسة بتمويل من تبرعات الأهالي، كرّس فيها جهوده للتدريس والتعليم. وفي عام 1954، انتقل إلى مدينة كاشغر بطلب من العلماء والأهالي، حيث أصبح مدرسًا في مدرسة «عيدكاه» وإمامًا لمسجد «قاسقان». ومنذ سبعينيات القرن الماضي وحتى وفاته، اعتلى منبر جامع «عيدكاه» الكبير، تاركًا أثرًا عميقًا بخطبه التي اتسمت بعمق الإيمان، ووضوح أحكام الشريعة، والدعوة إلى مكارم الأخلاق.
في ذلك الوقت، كانت خطبة الجمعة في كاشغر تُلقى بالعربية دون أن يفهمها عامة الناس، فبادر قاسم مولوي بإلقائها بالعربية مع شرحها وترجمتها فورياً للأويغورية، ليصبح ذلك نهجاً للأئمة من بعده. كما دعا إلى تنقية المجتمع من الخرافات، وحث الناس على التمسك بالكتاب والسنة.
لم تقتصر شهرته على كاشغر فحسب، بل ذاع صيته في أنحاء تركستان الشرقية بفضل علمه الغزير وخطاباته الفريدة. ومنذ عام 1952، عكف على تفسير القرآن الكريم من بدايته إلى نهايته، وانتشرت شهرته في البلاد من جنوبها إلى شمالها. وعندما أعيد افتتاح مسجد “عيدكاه” (الذي كان مغلقاً إبان الثورة الثقافية) تلبية لرغبة الشعب، لبّى قاسم مولوي الدعوة بكل شجاعة رغم مخاوف العلماء من مكائد الشيوعيين؛ فأمّ الناس في الصلاة وألقى خطبة مدهشة بصوت عذب.
استثمر براعته في الكتابة لترجمة كتاب “تعاليم الإسلام” للشيخ كفاية الله (خمسة مجلدات) من الأردية إلى الأويغورية. ولم يقتصر نبوغه على الدراسات الدينية، بل كان يتقن العربية والفارسية والأردية، وكان عالماً متمكناً في الطب فاق فيه أقرانه.
في عام 1958، نجا من حملات التضييق الشيوعية، فنظم العلماء للعيش من عملهم الخاص، وأسس مع الطبيب عبد الخالق ومجموعة من العلماء مؤسسة لصناعة الأدوية التقليدية الأويغورية. ومنذ الستينيات، ساهم بقوة في ترجمة كتب الطب القديمة، وترجم أجزاء واسعة من “مخزن الحكمة” و”مخزن المفردات”.
من أعماله العظيمة الأخرى ترجمة كتاب “الطب الأكبر” الذي ألفه الطبيب الأويغوري “محمد أكبر أرزاني” عام 1750م، وهو موسوعة تضم 28 فصلاً وتعرف بـ 300 مرض وطرق علاجها. وأكمل ترجمة هذا المرجع رغم الصعوبات التي منعت نشره آنذاك، حتى نجح تلميذه الطبيب محمد علي المحمودي في نشره وتوزيعه في أكتوبر 2005 (938 صفحة).
باعتباره مربّيًا موهوبًا، خرّج شخصيات بارزة في علوم الدين والطب، من بينهم: عبد القادر، والشيخ أبو بكر، والشيخ محمد يوسف قاري. وتميّز بأفكاره المتجددة واهتمامه العميق بمصير الوطن والعالم الإسلامي؛ ففي عام 1978 جهر بالدعاء تضامنًا مع الشعب الأفغاني ضد الغزو السوفيتي، غير آبهٍ بسطوة السلطات.
في عام 1979، أدّى فريضة الحج وزار أربع دول عربية، وكان من أبرز محطات رحلته استقباله من قِبل السلطان قابوس بن سعيد في سلطنة عُمان. وبعد حياة حافلة بالتقوى والعطاء، توفّي صباح 30 مايو 1985 إثر نوبة قلبية، عن عمر ناهز 81 عامًا، وشيّعته مدينة كاشغر في جنازة مهيبة شارك فيها شيوخها وشبابها، تعبيرًا عن مكانته الرفيعة في قلوب أهلها.
المرجع: مجلة “المسلمون في الصين”، ترجمة مركز الدراسات الأويغورية
حقوق الطبع والنشر لمركز الدراسات الأويغورية - جميع الحقوق محفوظة
