مائة من عظماء تركستان الشرقية في التاريخ الحديث – 56
وُلد قطلوغ شوقي في مدينة كاشغر عام 1876م لأسرة عريقة عُرفت بالثقافة والمعرفة. بعد تلقيه تعليمه الأولي في مسقط رأسه، توجه لأداء فريضة الحج بصحبة والده “عبد الرحيم بك”. وعقب أداء المناسك، شد الرحال إلى القاهرة للدراسة في “جامعة الأزهر”، ثم زار إسطنبول عاصمة الخلافة العثمانية. وبعد إقامته فيها لفترة، سافر إلى “بخارى” لمواصلة رحلته العلمية، حيث أولع بالعلوم والمعارف حتى صار مرجعاً في العلوم الإسلامية.
عاش شوقي في حقبة شهدت تحولات عالمية كبرى، كموجات الثورات الديمقراطية وحركات الإصلاح في البلاد العربية وآسيا الصغرى وروسيا وآسيا الوسطى. وبتأثير هذه الحركات المناهضة للإقطاع، ظهرت بوادر الإصلاح والتجديد في تركستان الشرقية، وبرز المتنورون في المجتمع الأويغوري.
مثّل قطلوغ شوقي مع رفيقه عبد القادر دامُلَّا هذا الاتجاه الإصلاحي، فرفعا راية التجديد والتحرر من العبودية الإقطاعية، واشتهرا في أنحاء البلاد بأنشطتهما الاجتماعية الواسعة. وقد أبدع قطلوغ سلسلة من القصائد والمقالات السياسية تحت اسمه المستعار “شوقي”.
تميز الأدب الأويغوري الحديث في تلك الفترة المبكرة بفهم ممثليه لمتطلبات العصر؛ إذ سعوا لإيقاظ الناس من غفلة الجهل والاضطهاد الطبقي ودعوتهم للعلم والتنوير. تجلى هذا الفكر بوضوح في قصائده، لا سيما قصيدة “الصحوة” التي خاطب فيها قومه قائلاً:
إذا ناضلنا من أجل الحرية، نعيش في شرفنا افتح عينيك يا شعبي، استيقظ الأرض والسماء.
ابتهج المستيقظون، واشتكى النائمون إن لم تحزن لنفسك، فقد انقضت قسوة الشتاء.
هلم نستيقظ من السبات، فالنوم عدونا لقد استيقظ العالم كله ضد السفه والجهلاء.
يعد “حب الوطن” موضوعاً تقليدياً متوارثاً في الأدب الأويغوري منذ آلاف السنين، ولكن نتيجة الأحداث العظيمة مطلع القرن العشرين، اكتسب هذا الموضوع أبعاداً جديدة. وفي تلك الفترة التي هيمنت فيها الإقطاعية وسُمح فيها للنهابين باستغلال البلاد، سارع المفكرون لترويج فكرة الوطنية، جاعلين من “الصحوة” موضوعاً رئيساً للأدب، ورافعين قيمتها بربطها بالهوية الوطنية.
في عام 1918، أصدر شوقي أول صحيفة باللغة الأويغورية في كاشغر باسم “الطريق”، بهدف نشر أفكار الوطنية والديمقراطية. ورغم تعرض الصحيفة للإغلاق المتكرر بأوامر من السلطات الرجعية، إلا أن دورها في تاريخ الإعلام الأويغوري يُعد إنجازاً كبيراً.
في عام 1924، نشر مجموعات شعرية في كاشغر حملت عناوين مثل: “استيقظ يا شعراء الصحوة والثورة” و”أوقد نارا للرق والعبودية”، حيث جسدت هذه القصائد صرخات الشعب ضد اضطهاد الإمبرياليين الأجانب والإقطاعيين.
كافح شوقي بلا هوادة لتحقيق طموحاته، حتى أصدر عام 1933 جريدة “أركين حياة” (الحياة الحرة). وبعد توقفها، أعيد إحياؤها تحت اسم “الحياة الجديدة” بدعم من “جمعية الثقافة والتعليم الأويغور” ومكتب “شؤون التربية” في نهاية العام نفسه. وفي عام 1936، تغير اسمها إلى “جريدة كاشغر” واستمرت في الصدور حتى عام 1949.
اهتم شوقي بدراسة التاريخ وبحثه بدقة، خاصة تاريخ تركستان الشرقية والأدب الأويغوري. ولم يقتصر دوره على رئاسة التحرير ونشر القصائد الحماسية والمقالات الأدبية، بل قدم معرفة تاريخية عميقة وألقى دروساً في التاريخ بالمدارس الحديثة في كاشغر.
في أبريل 1937، اعتقلته حكومة “شن شي ساي” وألقته في زنزانة بكاشغر. وانتهت حياته بمأساة عندما أضرم الجلاد النيران في السجن، فاستشهد قطلوغ شوقي بين مَن قضوا في تلك المحرقة.
خلال 61 عاماً من حياته، قدم مساهمات خالدة في الأدب والثقافة والتعليم والنشر، إضافة إلى التاريخ والفلسفة. ومن مؤلفاته الكثيرة كتاب “تاريخ كاشغر” المحفوظ في متحف أورومجي، ليبقى شاهداً على عبقريته ونضاله.
حقوق الطبع والنشر لمركز الدراسات الأويغورية - جميع الحقوق محفوظة
