• واشنطن العاصمة
تابعنا:

من الاعتقال الجماعي إلى السيطرة الدائمة: ما تكشفه شهادة تشانغ يابو عن تطوّر الإبادة الجماعية والعمل القسري بحق الأويغور

بقلم فريق التحرير في مركز الدراسات الأويغورية

على مدى أكثر من عقد، تابع المجتمع الدولي أزمة حقوق الإنسان المتفاقمة في تركستان الشرقية (المعروفة أيضًا باسم منطقة شينجيانغ الأويغورية ذاتية الحكم). ومن خلال صور الأقمار الصناعية، والوثائق الحكومية المسرّبة، والشهادات المروّعة للناجين من المعسكرات، تكشّفت صورة لاضطهاد منهجي يرقى إلى الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية بحق الأويغور وغيرهم من الشعوب التركية، وفقًا لتقييمات حكومات متعددة وجهات دولية. ومع ذلك، سعت الحكومة الشيوعية الصينية باستمرار إلى عرقلة التحقيق والتدقيق المستقلّين، ورفضت النتائج التي توصلت إليها الجهات الخارجية باعتبارها افتراءات غربية، وصوّرت الاعتقال الجماعي على أنه «تدريب مهني» طوعي أو تدابير حميدة لـ«مكافحة التطرف».

وقد تغيّرت رواية بكين بمرور الوقت. فبعد أن أنكرت السلطات الصينية في البداية وجود معسكرات الاعتقال، سعت إلى تبريرها بوصفها منشآت ضرورية لمكافحة الإرهاب والتدريب المهني. وفي السنوات الأخيرة، ادّعت أو أوحت بأن الحملة قد انتهت وأن الحياة في المنطقة عادت إلى طبيعتها. ولتعزيز هذه الرواية الزائفة، سمحت السلطات الصينية لأويغور خضعوا لتدقيق أمني وانتقاء دقيق بزيارة المنطقة، وأتاحت لعدد محدود من الأويغور السفر إلى الخارج، ونظّمت جولات تخضع لرقابة مشددة لدبلوماسيين وصحفيين وشخصيات دينية أجنبية، لزيارة مواقع ومشاهد جرى إعدادها مسبقًا. وقد استُخدمت هذه الجهود لتصوير المنطقة على أنها خالية من القمع، وللتغطية على إبادة جماعية مستمرة. ورفض الأويغور في المهجر باستمرار هذه الصورة، محذّرين من أن القمع لم ينتهِ، بل أصبح أقل ظهورًا وأكثر تجذّرًا. وتقدّم شهادة تشانغ يابو أدلة جديدة قوية تدعم تحذيراتهم.

شاهد من داخل الجهاز الأمني الصيني

تشانغ يابو شرطي صيني سابق من قومية الهان، خدم في الجهاز الأمني الصيني في موطن الأويغور قرابة عقد، من عام 2014 إلى عام 2023. وبخلاف الناجين من المعسكرات أو المحللين من خارج المنطقة، عاين تشانغ هذا النظام من الداخل وشارك في تنفيذه، إذ تولّى مهام ميدانية مختلفة في خُتَن وآقسو وبلدات ريفية. وفي أغسطس 2025، انضم إلى مجموعة سياحية متجهة إلى أوروبا، ثم انشقّ عن السلطات الصينية عند وصوله إلى ألمانيا وطلب اللجوء السياسي.

وفي أبريل 2026، استرعت الأدلة التي قدّمها تشانغ اهتمامًا دوليًا من خلال بحث رائد نشره الدكتور أدريان زينز ومؤسسة ضحايا الشيوعية التذكارية (VOC)، مع تغطية أولية من «فورين بوليسي» و«دير شبيغل». وقدّم لاحقًا روايات تفصيلية في مقابلة مطوّلة أجراها معه الصحفي الأويغوري حبيب الله إزچي لصالح «أويغور تايمز» و«أويغور بوست»، ثم تناولته «نيويورك تايمز» في تقرير معمّق. وبما حمله من سجلات حكومية داخلية وصور ومعرفة بالإجراءات الميدانية، تكشف إفادات تشانغ الآليات الفعلية التي نُفّذت بها السياسات يومًا بيوم على أرض الواقع.

داخل منظومة الاحتجاز وقوافل نقل المعتقلين (2014 – 2017)

وضعت المهام الأولى التي أُسندت إلى تشانغ إياه مباشرة في خضمّ المراحل المبكرة من تصعيد حملة «الضرب بقوة». وخلال عمله في مرافق الاحتجاز في خُتَن وآقسو، شهد تعذيبًا جسديًا اعتياديًا، وضربًا مبرحًا أثناء الاستجواب، وحرمانًا ممنهجًا من الرعاية الطبية، وحالات وفاة أثناء الاحتجاز. وقدّر تشانغ أن نسبة من جرى اعتقالهم وإيداعهم المعسكرات بلغت ما يصل إلى 25% من الأويغور البالغين في نطاق اختصاصه الميداني وحده.

وبحلول عام 2017، مع بلوغ حملة الاعتقال ذروتها، كُلّف تشانغ بالعمل ضمن قوافل أمنية ضخمة لنقل مئات المعتقلين بين مرافق الاحتجاز في أنحاء المنطقة. وكان المعتقلون يُنقلون مقيّدي الأيدي والأرجل، وقد غُطّيت رؤوسهم بأكياس سوداء، في قوافل من الحافلات ذات النوافذ المحجوبة، ترافقها حراسة مدججة بالسلاح، بموجب أوامر صارمة تعامل المواطنين العاديين كما لو كانوا مقاتلين يستدعون أقصى درجات التأمين. ولم تكن عمليات النقل هذه تهدف فقط إلى تخفيف الاكتظاظ في مراكز الاحتجاز داخل المنطقة، بل أيضًا إلى عزل الأفراد عن مجتمعاتهم المحلية ومنع أسرهم من معرفة أماكن احتجاز أحبّائهم.

الإكراه في الزراعة: فرض العمل في حصاد القطن (2018 – 2020)

بعد عمله في الجوانب اللوجستية للاحتجاز، أُرسل تشانغ للإشراف على عمليات نقل العمالة الزراعية التي تفرضها الدولة في الأجزاء الجنوبية من المنطقة. وبين عامَي 2018 و2020، كُلّف بالإشراف على آلاف العمال الأويغور الذين جرى حشدهم لحصاد القطن في مزارع حكومية يديرها أفراد من قومية الهان، وفي تكتلات زراعية خاصة.

وتفصّل شهادته منظومة الإكراه التي قامت عليها عمليات الحصاد هذه: كان العمال يُوقَظون في الخامسة صباحًا، ويُنقلون تحت حراسة شرطة مسلّحة إلى الحقول، حيث يعملون في نوبات تتراوح بين عشر واثنتي عشرة ساعة. وكانت وثائق هويتهم تُصادَر بصورة ممنهجة فور وصولهم لمنع أي إمكانية للهروب. وكان تشانغ وزملاؤه من الشرطة يديرون نقاط التفتيش، ويجرون تعدادًا يوميًا للعمال، ويقومون بدوريات حول حدود الحقول، بموجب أوامر صريحة باعتراض واعتقال كل من يحاول المغادرة أو التعبير عن استيائه. وقد صُوّر هذا العمل في التقارير الحكومية على أنه «تخفيف للفقر» وعمل طوعي مقابل أجر، لكن العمال لم يكونوا يملكون حق الرفض أو التفاوض على الأجور أو العودة إلى منازلهم دون تصريح. وقد وردت هذه النتائج بالتفصيل في تقرير مؤسسة ضحايا الشيوعية المستند إلى شهادة كاشف الانتهاكات بشأن تصاعد العمل القسري.

المراقبة الشاملة للقرية: مركز شرطة يوروشقا (2021 – 2023)

من أغسطس 2021 حتى تركه العمل في الشرطة عام 2023، خدم تشانغ في يوروشقا، وهي قرية إدارية يبلغ عدد سكانها نحو 1,700 نسمة، تقع في بلدة خانيريق بمحافظة خُتَن. ووفقًا لكشوف سابقة، كانت خانيريق تضم أكبر معسكر اعتقال في خُتَن بأكملها. وهناك، تحوّلت طبيعة عمله من المهام اللوجستية المباشرة المرتبطة بمرافق الاعتقال إلى مراقبة المجتمع على مستوى الأفراد والأسر، بما يوضّح كيف ألغت الدولة البوليسية بصورة ممنهجة الحدود بين الحياة العامة وخصوصية المنازل. وكان نحو 40% من سكان القرية البالغين قد أمضوا فترات في معسكرات الاعتقال، ما ترك العديد من الأسر مكوّنة فقط من أجداد مسنّين وأطفال صغار.

وفي يوروشقا، عمل عناصر الشرطة المحليون وكوادر «الحفاظ على الاستقرار» وفق حصص أسبوعية صارمة لرصد «تهديدات أيديولوجية» محتملة. وكُلّفوا بتتبّع الأسر، وفرض الحضور الإلزامي لمراسم رفع العلم الأسبوعية، والتحقيق في التنبيهات الآلية الصادرة عن «منصة العمليات المشتركة المتكاملة» (IJOP). وكانت أحداث عادية تستدعي تدقيقًا متطفّلًا: فالارتفاع المفاجئ في استهلاك الكهرباء داخل المنزل كان يؤدي إلى تفتيش إلزامي لاستجواب السكان بشأن سبب بقائهم مستيقظين، بل إن ممارسة الركض أو التمارين الرياضية على نحو فردي كان يمكن أن تُصنّف باعتبارها تدريبًا بدنيًا مثيرًا للشبهة.

وعندما لم يكن بالإمكان العثور على مخاطر أمنية واضحة لاستيفاء الحصص المحددة للمراقبة أو الاحتجاز، كان يجري تجريم السلوكيات الشخصية والدينية العادية بصورة ممنهجة:

  • كانت حيازة مؤلفات إسلامية منشورة بصورة قانونية، أو نسخة موروثة من القرآن الكريم، تُسجّل باعتبارها مرحلة أولية من التطرّف.
  • كان إطلاق لحية قصيرة، أو الامتناع عن شرب الكحول، أو الصلاة في المنزل يُعامَل بوصفه مؤشرًا على نزعة «متطرفة».
  • كان قادة المجتمع المتعلّمون والمعلّمون وكبار السن يُصنّفون تلقائيًا باعتبارهم مصادر كامنة للمقاومة الأيديولوجية.

عندما تتحوّل الممارسة الدينية العادية إلى «تطرّف»

كما أوضح تشانغ في مقابلته مع «أويغور تايمز»، فإن تحويل المظاهر العادية للإيمان الإسلامي إلى أدلة على خطر سياسي كان يخدم هدفًا أوسع. فقد تلقّى عناصر الشرطة المحليون تعليمات مفادها أن قراءة القرآن والصلاة تمثّلان «الخطوة الأولى» نحو الإرهاب. وصُمّمت المنظومة الأمنية المشددة للسلطات الصينية لقياس ما إذا كان الفرد قد أُخضع بالكامل وأصبح مطيعًا تمامًا للحزب الشيوعي الصيني.

عهد ما شينغروي: من المعسكرات الجماعية إلى السيطرة الدائمة اللامركزية

من أبرز ما تضيفه شهادة تشانغ تفسيره لكيفية تطوّر الجهاز الأمني في المنطقة بعد حلول ما شينغروي محلّ تشن تشوانغو أمينًا للحزب الشيوعي الصيني في المنطقة أواخر عام 2021. ففي الوقت الذي أعلن فيه المسؤولون الصينيون إغلاق «مراكز التعليم المهني»، تؤكّد تجربة تشانغ المباشرة ما ورد في التقارير من أن القمع لم يُفكَّك، بل جرى تحويله إلى منظومة لامركزية وترسيخه مؤسسيًا في الحياة اليومية.

وفي عهد ما شينغروي، استُعيض إلى حدّ كبير عن الاعتقال الطويل الأمد في المعسكرات بآليتين مترابطتين:

  1. الاحتجاز العقابي قصير الأمد: بدلًا من إرسال الأفراد إلى مراكز إعادة تعليم ظاهرة للعيان، استحدثت السلطات نظامًا للاحتجاز الإداري لمدة 15 يومًا في ظروف عقابية شديدة الضغط النفسي. وكانت فترات الاحتجاز القصيرة هذه تُستخدم كصدمات تأديبية سريعة لمعاقبة المخالفات البسيطة، أو مقاومة أوامر العمل، أو إظهار «مواقف غير متعاونة».
  2. نقل العمالة قسرًا على نطاق صناعي واسع: بدلًا من احتجاز الأويغور في معسكرات معزولة، جرى توجيه من هم في سنّ العمل مباشرة إلى شبكات مركزية لنقل العمالة، تمدّ المصانع ومنشآت إنتاج البولي سيليكون المستخدم في الطاقة الشمسية ومصانع النسيج بالعمال، داخل المنطقة وفي مقاطعات صينية أخرى. وكان رفض الانتقال للعمل بتكليف من الدولة يُسجّل مباشرة في «منصة العمليات المشتركة المتكاملة» باعتباره «خللًا أيديولوجيًا»، ما يؤدي فورًا إلى الاستجواب أو الاحتجاز مجددًا.

ومن خلال توزيع أدوات السيطرة على المصانع والتعاونيات الزراعية وإدارات القرى، أقامت السلطات الصينية جدار سجن غير مرئي يعمل داخل الاقتصاد المفتوح، بما يسمح للنظام بتقديم صورة عن حياة طبيعية للزوار الأجانب، مع الإبقاء على سيطرته المطلقة.

الانشقاق واللجوء إلى ألمانيا

بعد سنوات قضاها داخل المنظومة الأمنية، ألقى العبء الأخلاقي لتنفيذ ممارسات قاسية وتعسفية بثقله الشديد على الحالة النفسية لتشانغ. وكما روت «نيويورك تايمز»، قرّر في نهاية المطاف الهرب. وفي صيف عام 2025، بعدما دفع عشرات الآلاف من اليوانات واجتاز إجراءات صارمة لمغادرة البلاد، تمكّن من الانضمام إلى مجموعة سياحية مرخّصة متجهة إلى أوروبا. وعند وصوله إلى ألمانيا، انفصل عن المجموعة وقدّم طلبًا رسميًا للجوء السياسي. ثم قرّر لاحقًا التحدّث علنًا وكشف ما شهده.

العمل القسري خلف مظهر عودة الحياة إلى طبيعتها

تكشف شهادة تشانغ يابو كيف يستمر الإكراه تحت مظهر الحياة الاقتصادية العادية في المنطقة. فقد أصبحت أماكن العمل امتدادًا لسيطرة الدولة، حيث لا يترك التهديد بالاحتجاز للأويغور سوى هامش ضئيل للرفض أو المقاومة.

وتثبت إفاداته أن الإبادة الجماعية بحق الأويغور دخلت مرحلة جديدة خطيرة: أكثر رسوخًا مؤسسيًا، وأقل ضجيجًا، ومتشابكة مباشرة مع سلاسل التوريد العالمية للقطن والطاقة الشمسية والألمنيوم. وعلى المجتمع الدولي أن يدرك أن مظاهر «عودة الحياة إلى طبيعتها» ليست سوى غطاء متعمّد للسيطرة الشمولية الدائمة التي يفرضها الحزب الشيوعي الصيني على الشعب الأويغوري.

تصفّح المقالات

حقوق الطبع والنشر لمركز الدراسات الأويغورية - جميع الحقوق محفوظة

This website uses cookies. By continuing to use this site, you accept our use of cookies.