مائة من عظماء تركستان الشرقية في التاريخ الحديث – 63
وُلد محمد عبد الله بك في 9 نوفمبر 1907م بمدينة “خُتَن” لأسرة مستنيرة؛ فوالده “روزي بك” كان من أفراد الأسرة التي حكمت خُتَن لفترة طويلة، ووالدته “طوختي خان” تنحدر من نسل “علي شير بك”، الحاكم المستنير في تاريخ خُتَن.
عند بلوغه الرابعة، التحق بالمدرسة الدينية الابتدائية التابعة لمدرسة “أحمد” في منطقة “خوجام كول باشي”. بعد ذلك، انتقل إلى مدرسة “يني شهير” (التي كانت مركزاً للمعارف المتوسطة في خُتَن آنذاك) حيث تلقى تعليمه على يد العالم الشهير “نعمة الله آخون” بين عامي 1919 و1922. خلال دراسته، تفتحت مداركه واتسعت آفاقه، فاصطحبه والده لأداء فريضة الحج في المملكة العربية السعودية.
بعد عودته من الحج، بدأ العمل في مكتب بريد خُتَن عام 1924م، واستقال عام 1927 ليبدأ ممارسة التجارة بين خُتَن وكاشغر بتمويل عائلي. ومع اندلاع انتفاضة خُتَن عام 1933، عاد للعمل في مكتب البريد بطلب من حكومة الثورة التي تشكلت بعد الانتصار الأولي. وبعد سقوط حكومة تركستان الشرقية بيد “ماخوسن” عام 1935، استقر بجانب شقيقه الأكبر “يوسف بك” حاكم “قاراقاش”. وفي عام 1937، عاد إلى خُتَن وافتتح متجراً في شارع “جولباغ”.
في عام 1938، عندما بدأ الحاكم “شن شي ساي” حملات اختطاف المتنورين والأثرياء، اختُطف شقيقه يوسف بك وصودرت جميع ممتلكاته. كما صودر متجره، وبعد أن فقد كل ثروته، اضطر للذهاب إلى الريف حيث عمل في الزراعة. ورغم التقلبات الشديدة في حياته، كان يوازن بين كسب رزقه وبين شغفه بقراءة دواوين الشعراء الكلاسيكيين مثل: علي شير نوائي، وهويدا، وفضولي.
يشهد على شغفه العميق للعلم حادثة عام 1927، حين التقى بطالبين من كاشغر كانا عائدين من بخارى ومعهما خمسة خيول محملة بالكتب لبيعها. فتحمس محمد عبد الله بك وكأنه عثر على كنز، فساومهما واشترى الكتب، ثم تبرع ببعضها لأساتذته “أحمد” والشيخ “نعمة الله”، واحتفظ بكتب الأدب والتاريخ لنفسه وبدأ في قراءتها.
تطورت قدراته الإبداعية تدريجياً؛ ففي الثلاثينيات، قام الشاعر “محمد توردي قاسم” بمراجعة قصائده وقدم له إرشادات قيمة. وفي أواخر الثلاثينيات وأوائل الأربعينيات، توثقت علاقته بالشاعر بلال عزيزي الذي كان يعرض عليه أعماله للنقد والتعليق، مما زاد اهتمامه بقضايا الوطن والشعب.
هناك أمر مهم جدير بالذكر، وهو أنه في القرن التاسع عشر، ألف العلامة بهاء الدين علم (عاش في مقاطعة يورون قاش) كتاباً ضخماً بعنوان “سعادة العمرى” يتكون من 40 فصلاً و 97 باباً، والفصل الثالث منه خصص لتاريخ خُتَن تحت عنوان “أسرار خُتَن”. في الأيام الأخيرة من حياته، أعطى المؤلف الكتاب إلى “يوسف بك” قائد جيش المقاطعة، موصياً بطبعه متى أمكن ذلك. لاحقاً، سلّم يوسف هذا الكتاب إلى محمد عبد الله بك، الذي احتفظ به وقرأه مراراً حتى حفظه عن ظهر قلب. نتيجة لذلك، ازداد اهتمامه بالتاريخ، وبدأ البحث عن العلماء المعمرين في خُتَن لجمع الروايات التاريخية. وفي أثناء ذلك، صادف كتاباً بعنوان “تذكرئي خُتَن” (تاريخ خُتَن) كتبه رجل يدعى “آخون قيزي بك”، الذي شارك في حملة يعقوب بك واستقر في خُتَن.
بين عامي 1942 و1946، وبسبب الاضطرابات والتفاوتات الاجتماعية، واستبداد الحكام، وفساد المسؤولين، والرشوة، والنفاق في السعي للسلطة، كتب قصائد عديدة تعبيراً عن ألمه وغضبه، منها: “مظهر الزمن”، و”فاقدو الضمير”، و”طرق الحياة”، و”شوق الوجدان وشرف الإنسان”. عبر فيها عن حزنه على مصير وطنه وأمته، وكراهيته الشديدة للمنافقين عديمي الضمير الذين يتملقون الخونة، مؤكداً أن الشر كله ينبع من الجهل وضرورة تسليح الناس بالعلم والتنوير. وإلى جانب هذه الأعمال، بدأ في كتابة عمله التاريخي الواسع النطاق “تاريخ وطن وواقعات خُتَن” المخصص لتاريخ المنطقة الممتد لألف عام.
في حادث اختطاف سياسي وقع في 17 يوليو 1947م، فتش الكومينتانغ منزله ونهبوا وأحرقوا أكثر من 500 كتاب ومخطوطة مع الأموال المنهوبة. ولحسن الحظ، نجا عمله “تاريخ وطن وواقعات خُتَن” الذي جلب له الشهرة، لكونه محفوظاً في مكان سري.
في عام 1951، اتُهم بتهمة “حيازة الكتب المتطرفة ومعاداة الصين”، وتعرض لتعذيب شديد حتى عام 1956. وفي إحدى المرات، عندما سأله أحد أقاربه عن اسم ابنته التي وُلدت، أجاب: “سمها ضرب نساء” تفاؤلاً بتحمله الضرب في سبيل العلم والمعرفة.
في عام 1956، زار ممثلون من الأكاديمية الصينية للعلوم الاجتماعية خُتَن لجمع كتب ومخطوطات الأويغور. وحينها، أخبرهم شيخه “أحمد” أن محمد عبد الله بك يعاني في السجن بسبب تأليفه كتاباً عن تاريخ خُتَن. أُطلق سراحه بإلحاح من هؤلاء الباحثين، وعُين لجمع الكتب والمخطوطات القديمة في ولاية خُتَن وإرسالها إلى أورومجي، وعادوا ومعهم كتابه “تاريخ وطن وواقعات خُتَن”. وعلى الرغم من أنه بدأ جمع الكتب القديمة مع أشهر شعراء خُتَن في ذلك الوقت، “محمد إبراهيم فنائي”، إلا أنه طُرد من المدينة واتُهم بـ “إرسال الكتب إلى القوميين المحليين” عندما بدأت حركة تطهير القوميين، ونُفي للعمل في منجم حجارة بنهر قاراقاش تحت سيطرة النظام. وفي عام 1960، ازداد الضغط عليه ونُفي مع أسرته لفتح أرض قاحلة في الصحراء على بعد مئات الكيلومترات من مدينة خُتَن، وبقي هناك حتى نهاية عام 1981.
في عام 1979، بدأ العمل الحكومي على ترجمة “ديوان لغات الترك” لمحمود الكاشغري إلى الأويغورية الحديثة. وخلال هذا المشروع، دُعي “عبد الحميد يوسف دامُلَّا” من خُتَن إلى أورومجي. وأثناء عمله، رأى دامُلَّا كتاب محمد عبد الله بك “تاريخ الوطن وواقعات خُتَن” في المكتبة مكتوباً على غلافه أن “المؤلف متوفى”، فتفاجأ وقال إن مؤلف هذا الكتاب حيٌّ ويعاني من الأشغال الشاقة في الصحراء.
في عام 1981، التقى به “عبد الرشيد إسلامي” واقترح على المنظمة إخراجه من منفاه وإنقاذه من العمل الشاق. وفي عام 1982، زاره نائب رئيس الحكومة “أمين أوف حامد” والأكاديمي “أنور بايتور” في خُتَن، وأخرجاه من معاناته، وعُين لترتيب المواد التاريخية للمجلس السياسي بمقاطعة خُتَن. خلال هذا العمل، كتب محمد عبد الله بك العديد من المذكرات حول تاريخ خُتَن في عهد أسرتي تشينغ ومينغ.
بناءً على اقتراح الأكاديميين أمثال: “عبد الرشيد إسلامي” و”أنور بايتور” و”نور”، أعاد كتابة عمله السابق تحت اسم “تاريخ خُتَن”، وكذلك كتب كتاباً آخر بعنوان “واقعات خُتَن” يركز على الأحداث التاريخية منذ حكم الملك “المفتي حبيب الله”.
في عام 1985، حصل على شهادة تخوله الانضمام إلى فريق البحث التاريخي التابع للمكتب الاستشاري لحكومة منطقة الأويغور. وشارك في العديد من المؤتمرات والندوات، واستمر في كتابة القصائد والمذكرات التاريخية، ونشر أكثر من عشرين عملاً في الصحف والمجلات العلمية.
تُوفي محمد عبد الله بك، الذي قضى معظم حياته بحماس للعلم والتنوير وشغف بالكتابة الأدبية والتاريخية، كما قضى نصفها في العمل الشاق، في 5 فبراير 1998م عن عمر يناهز 91 عاماً في منزله بخُتَن، ودُفن في مقبرة “السلطان”.
حقوق الطبع والنشر لمركز الدراسات الأويغورية - جميع الحقوق محفوظة
