مائة من عظماء تركستان الشرقية في التاريخ الحديث – 62
يُعد العلامة محمد قوربان دامُلَّا أحد المفسرين القلائل الذين فسروا القرآن الكريم كاملاً لعامة الناس في مساجد تركستان الشرقية. كما يُعتبر من أبرز المتخصصين في اللغة العربية والأويغورية القديمة، وهو أحد العلماء الذين استُدعوا خصيصاً لترجمة كتاب “ديوان لغات الترك” لمحمود الكاشغري إلى الأويغورية الحديثة. كان مرجعاً للعلماء والعامة في حل المسائل المعقدة، ومقصداً لعلاج المشكلات التي تضيق بها الصدور.
وُلد عام 1932م في مدينة “خُتَن”. وبعد تلقيه العلوم الابتدائية في مسقط رأسه، شد الرحال إلى كاشغر حيث التحق بمدرسة “خانليغ”، وتتلمذ على يد كبار العلماء مثل: أمين مولوي، وسليمان دامُلَّا، وصالح دامُلَّا، ولازمهم مدة طويلة. تلقى تعليماً رفيعاً في كافة مجالات العلوم الإسلامية، لا سيما الأدب العربي الكلاسيكي. ورغم كثرة الطلاب الذين نالوا لقب “دامُلَّا” في تلك الفترة، إلا أن شيخه “أمين مولوي” أثنى عليه قائلاً: “الخريجون من خُتَن كثيرون، لكن المبرزين منهم ثلاثة، ومحمد أمين (قوربان) أحدهم”.
في عام 1959، أُغلقت المدارس الدينية في تركستان الشرقية بقرار من الحكومة الشيوعية الصينية؛ فعاد إلى خُتَن وهو في قمة عطائه العلمي.
كانت تلك السنوات بمثابة “عاصفة سوداء” غطت سماء المنطقة، وسرعان ما وجد نفسه سجيناً مع نخبة من علماء خُتَن، منهم: عالم الطب الأويغوري عبد الحميد يوسف دامُلَّا، والمفتي عاشور نياز (اعتقل عام 1959 وأطلق سراحه من السجن عام 1963)، و المقرئ عبد العزيز (توفي عام 1979 بعد أن سجن لأكثر من 15 عامًا)، و عبد الولي (توفي عام 1981 بعد أكثر من 15 عامًا قضاها في سجن كريا)، والشيخ عبد الله (أطلق بعد 15 عامًا قضاها في السجن وتوفي عام 1984)، و عبد الغني (توفي في السجن عام 1976)، والمقرئ عبد النبي، (توفي في السجن عام 1963)، والمقرئ غياث الدين، (توفي في سجن كريا عام 1970)، والمفكر عبد الجبار أحمد وغيرهم.
أُطلق سراحه عام 1965 بعد خمس سنوات من الأشغال الشاقة. ونظراً لاستحالة التدريس أو الوعظ حينها، عمل تقنياً في مجال الهندسة المعمارية (التي تعلمها في السجن) وظل يعمل رئيساً لفريق بناء في خُتَن حتى وفاته، مفضلاً كسب عيشه بعرق جبينه.
بحلول عام 1979، مستفيدًا من التغيير الطفيف في الوضع في تركستان الشرقية، جمع المال من المجتمع وبنى مسجدًا صغيرًا بالقرب من منزله. عُرف هذا المسجد باسم المسجد النور، ثم استخدمه فيما بعد كمسجد ومدرسة. فيه فسر القرآن الكريم كل صباح بعد صلاة الفجر في عامي 1979 و1980، حتى أكمله، لأنه لم يكن تفسير القرآن الكريم في المساجد أو الأماكن العامة من البداية إلى النهاية أمرًا شائعًا في تركستان الشرقية، وإن كان شائعا الوعظ والدعوة في المساجد والأماكن العامة.
وقد كان يفضل أن يكسب عيشه بعرق جبينه، وبعمل يده، وبناء على ذلك، اشتغل في النهار لكسب قوة أهله، وفي الليل بالتدريس للطلاب، بخلاف بعض الشيوخ يعتمدون على الشعب في تسديد حاجاتهم.
في الثمانينيات، عندما أنشأت أكاديمية العلوم الاجتماعية في تركستان الشرقية، دعته اللجنة العلمية لترجمة “ديوان اللغة الترك” بدعوة خاصة، وأحضرته إلى أورومجي.
فمن المشاركين في الترجمة كان عديد من العلماء اللغوين، منهم: إبراهيم مطيعي، ومير سلطان عثمان، وعبد الرحيم أوتكور، وعبد السلام عباس، وغيرهم. ولكن تحير هؤلاء اللغويون والمثقفون بعد ما رأوا قدراته العلمية.
تأثر محمد قربان دامُلَّا بأفكار الشيخ محمد عبده، وتلميذه رشيد رضا، والشيخ محمد بن عبد الوهاب. فيعتبر أول من قام بتدريس كتب هؤلاء الشيوخ وغيرها في المدارس الدينية في تركستان الشرقية التي تعتمد على الكتب التراثية في منهجها التدريسي منذ دخول الإسلام. ولو أدت هذه التغييرات الجديدة في حدوث اختلافات فكرية في خُتَن، لكن ظهرت مجموعة من الأجيال الشابة المتقدمة.
بالإضافة إلى إلقاء محاضرات على طلابه في الثمانينيات، شرع بإلقاء خطب الجمعة باللغة الأويغورية في مسجده، وكان هذا يعتبر بداية إلقاء خطب الجمعة باللغة الأويغورية في تركستان الشرقية. وبذلك ملأ الشوارع بالناس الذين جاؤوا من نواحي خُتَن لسماع خطبه، ما زالت الأشرطة الصوتية لخطبه متداولة في أيدي الناس.
في عام 1983، ذهب إلى المملكة العربية السعودية لأداء فريضة الحج عبر طريق كاشغر – باكستان. في خلال أيام انتظار الحج في باكستان، استغل هذه الفرصة لتنوير الناس وتنمية وعيهم، فألقى المحاضرات العامة يومياً لحجاج تركستان عن مناسك الحج وأدبه. كما استغل أيام الحج، فألقى الخطبة للحجاج في ساحة منى في يوم التروية، فاستمع خطبته المزينة بالبلاغة والفصاحة جميع حجاج الأويغور قدموا من تركستان الشرقية للحج، إضافة إلى المهاجرين الذين استقروا في بلدان المختلفة، وجاؤوا للحج.
ويقول محمد قاسم دامُلَّا – الذي عاش مغتربًا في المملكة العربية السعودية، ودرّس في مؤسسات التعليم العالي في المملكة العربية السعودية لفترة طويلة – بعد استماع خطبته في منى: إنه اندهش من خطبته، وقدرته العلمية والدعوية.
خلال الأيام التي قضاها في مكة بعد الحج، دعاه العلماء المغتربون في المملكة العربية السعودية لزيارة منازلهم، وأبدوا له احترامًا كبيرًا. بعد أدائه فريضة الحج، زار المدينة المنورة وعاد إلى وطنه بالعديد من الكتب الجديدة، ومكث للتدريس.
كان مسلكه يختلف عن مسلك الناس في يومنا الحاضر، كان يرتدي ملابس بسيطة، ويركب الدراجات الهوائية، ويسدد حاجته بمقابلة أجره أخذها من عمله، فلا تتقاضى فلساً واحداً من الطلاب لعدة ساعات التي يقوم بالتدريس يوميا، استمر تدريسه ووعظه حتى التسعينيات من عمره.
كان رجلا ساكتا لا يتكلم إلا قليلاً، وشديد التحفظ والتقوى، ومغرما بالكتب. فمن عاداته النبيلة لا يمسك كتب التفسير والحديث، بل حتى الأدب العربي الكلاسيكي بدون طهارة. إن لم يكن معه وضوء، فكان يقرأ الكتب التي لا تنسب إلى العلوم الإسلامية من بعيد ولا قريب.
بعد سلسلة من التغييرات السياسية في تركستان الشرقية في التسعينيات، تعرض للاضطهاد السياسي وتفرق أتباعه وطلابه، كما منعه عن الخطب والوعظ في المساجد.
في عام 1994، ذهب مع زوجته مرة أخرى إلى الحج وعاد على عجل بسبب تدهور صحته، حيث ذهب إلى أورومجي لتلقي العلاج في المستشفى الثاني في ديسمبر 1995.
توفي العلامة، المفسر، اللغوي، محمد قوربان دامُلَّا عن الحركة وأغمض عينيه في وقت صلاة العصر 25/25/1995م، وأحضر جثمانه إلى بلده ختن، ودفن في مقبرة طوريزيم.
بقلم: عبد الجليل طوران
حقوق الطبع والنشر لمركز الدراسات الأويغورية - جميع الحقوق محفوظة
