
بقلم: عبد الحكيم إدريس
دخل اليوم، الأول من يوليو/تموز 2026، «قانون تعزيز الوحدة والتقدم القومي» الصيني الجديد حيز التنفيذ. وقد أقرّه المؤتمر الوطني لنواب الشعب في 12 مارس/آذار 2026، وتقدمه بكين باعتباره قانونًا يهدف إلى تعزيز الوحدة الوطنية ودفع التنمية بين القوميات المختلفة في الصين. غير أن الحقيقة تشير إلى ما هو أبعد من ذلك بكثير؛ إذ يمثل هذا القانون التقنين الرسمي لنموذج حكم قائم على الاستيعاب القسري، جرى تطويره بصورة متدرجة خلال العقد الماضي.
فبدلًا من استحداث سياسة جديدة بالكامل، يحوّل القانون ما كان يُنفذ سابقًا عبر الحملات السياسية، والتوجيهات الإدارية، والتجارب الإقليمية، إلى إطار قانوني دائم يُطبق على مستوى الدولة بأكملها. وبهذا، فإنه يوسّع المبادئ التي شكّلت أساس سياسات الصين تجاه الأويغور، والتبتيين، والمغول، وسائر القوميات غير الهانية، لتتجاوز حدود تركستان الشرقية (ما يُسمى بمنطقة شينجيانغ الأويغورية ذاتية الحكم) والتبت، جاعلًا من الاستيعاب الثقافي التزامًا قانونيًا على عاتق الدولة الصينية.
على مدى عقود، كان الإطار القانوني الذي ينظم العلاقة بين جمهورية الصين الشعبية وقومياتها المختلفة يستند، من الناحية الشكلية، إلى قانون الحكم الذاتي الإقليمي للقوميات الصادر عام 1984. ورغم أن الحزب الشيوعي الصيني احتفظ تاريخيًا بسيطرة مطلقة على جميع القوميات، فإن قانون عام 1984 اعترف – على الأقل نظريًا – بحقوق الأقليات القومية في إدارة شؤونها المحلية وصون تراثها الثقافي. أما قانون الوحدة القومية الجديد لعام 2026، فيضع عمليًا نهايةً لتلك المرحلة. فمن خلال التخلي عن مفهوم «الحكم الذاتي الإقليمي للقوميات»، تعلن بكين أن «الأمة الصينية» (中华民族) لم تعد اتحادًا يضم قوميات متنوعة، بل أصبحت أمةً هانيةً أحادية المركز ذات هوية صارمة.
ويمثل هذا التشريع الجديد تتويجًا لتحول استمر عقدًا كاملًا في سياسات الحكومة الصينية، مبتعدًا عن الإطار القانوني الذي تأسس بعد عام 1949، والذي كان مستوحى في الأصل من نموذج الإدارة القومية السوفيتي. فقد تبنت السلطات الصينية بصورة كاملة ما يصفه الباحثون بـ «سياسات القوميات من الجيل الثاني»، وهي مقاربة تعطي الأولوية لهوية وطنية واحدة وشاملة، على حساب التعددية الثقافية والقومية.
وقد دافع أكاديميون صينيون بارزون، من بينهم ما رونغ، وهو أنغانغ، وهو ليانهه، منذ سنوات عن تبني هذه السياسات، داعين إلى «إزالة الطابع السياسي عن القومية»، والترويج بصورة ممنهجة لدمج الهويات الثقافية المختلفة وإعادة تشكيلها داخل هوية وطنية واحدة. ويرى هؤلاء الباحثون أن مجرد الإبقاء على الفوارق القومية، حتى في صورتها الرمزية، يشكل تهديدًا وجوديًا للوحدة الوطنية. ويأتي القانون الجديد ليحوّل هذه الرؤية إلى نصوص قانونية ملزمة، تفرض التخلي عن الخصائص القومية المميزة لصالح المعايير الثقافية الهانية وهيمنة اللغة الصينية.
ويعكس البناء الداخلي للقانون هذه الخلفية الأيديولوجية بوضوح. فبدلًا من اعتماد التقسيمات القانونية التقليدية، تمتلئ مواده بمفاهيم ذات طابع أيديولوجي، مثل «بناء الوطن الروحي المشترك»، وهي عبارة مأخوذة مباشرة من خطابات شي جين بينغ. ويكشف هذا التداخل بين توجيهات الحزب والقانون الرسمي للدولة عن مدى تغلغل الأيديولوجيا الاستيعابية في البنية القانونية الصينية، بما يضمن تعبئة أجهزة الدولة والمجتمع بأكمله لتحقيق أهداف الاستيعاب الثقافي.

توظيف السياسات اللغوية والثقافية كأداة للقمع
تنص المادة (15) من القانون على التوسع في تعميم استخدام اللغة الصينية المعيارية (الماندرين). وتنص صراحة على أن المدارس والمؤسسات التعليمية يجب أن تعتمد «اللغة الوطنية» (国语) بوصفها «اللغة الأساسية ونظام الكتابة الأساسي للتعليم والتدريب». ويقوض هذا النص الحماية القانونية التي كانت قائمة في السابق، ومنها ما ورد في قانون الحكم الذاتي الإقليمي للقوميات لعام 1984، والذي أتاح – ولو نظريًا – مجالًا لتقديم التعليم بلغات الأقليات القومية.
ويتزامن هذا التوجه مع التعديل الذي أُدخل في ديسمبر/كانون الأول 2025 على قانون اللغة الصينية المعيارية المنطوقة والمكتوبة، والذي ألغى ما تبقى من الأحكام التي كانت تسمح باستخدام لغات الأقليات كلغة رئيسية للتعليم. وبالنسبة لشعوب مثل الأويغور، فإن هذا التحول يقطع ما تبقى من الصلة بين الأجيال الجديدة وتاريخها وأدبها، بعد أن تعرضت أصلًا لسياسات الفصل القسري بين الأطفال وأسرهم. ومن خلال تجريم أي سلوك يُنظر إليه على أنه «يعيق» تعلم اللغة الصينية، يمنح القانون السلطات المحلية ذريعة قانونية واسعة لمعاقبة المعلمين، والمدافعين عن الحقوق اللغوية، أو أولياء الأمور الذين يفضلون تعليم أبنائهم بلغتهم الأم، باعتبار ذلك شكلًا من أشكال المقاومة السياسية.
تقنين الرقابة المجتمعية ومراقبة الأسرة
يحوّل القانون الأسرة إلى أداة من أدوات مشروع الدولة الاستيعابي. فتنص المادة (20) على إلزام الآباء والأوصياء بغرس «القيم المؤيدة للدولة» في الأبناء، وتحظر عليهم تعليم أي أفكار تُعد «مضرة بالوحدة والتقدم القومي». وبما أن القانون لا يقدم تعريفًا واضحًا لماهية «الفكرة الضارة»، فإنه يمنح أجهزة الأمن العام والمسؤولين المحليين سلطة شبه مطلقة في تفسير هذا النص وتطبيقه.
وبالنظر إلى السوابق التاريخية في كيفية تنفيذ السلطات الصينية لسياساتها المتعلقة بالقوميات، يتضح أن هذا الغموض ليس عرضيًا، بل هو مقصود ويخدم غرضًا استراتيجيًا. فالصياغة الفضفاضة للقانون توفر للسلطات مبررًا قانونيًا لمعاقبة الآباء لمجرد ممارستهم تقاليدهم الثقافية داخل منازلهم، أو لنقلهم تاريخهم وتراثهم الثقافي إلى أبنائهم إذا لم يكن ذلك منسجمًا مع الرواية الرسمية للحكومة الصينية.
وعلاوة على ذلك، تشجع المادة (54) على تبني إجراءات رقابية صارمة، من بينها السماح للمواطنين بالإبلاغ عن أي سلوك يُعتقد أنه «يقوض الوحدة القومية». ويؤدي هذا النص إلى تشجيع الجيران، وزملاء العمل، بل وحتى الأطفال، على مراقبة أفراد أسرهم ومن حولهم والإبلاغ عنهم. ومن خلال تحويل المواطنين العاديين إلى مخبرين، يضمن القانون إحباط أي محاولة للحفاظ على الهوية الثقافية، ويجعل منها نشاطًا محفوفًا بالمخاطر. ويستحضر هذا النموذج ديناميكيات «الثورة الثقافية»، حيث تُغرس الشكوك والامتثال القسري في أعمق مستويات المجتمع والأسرة.
القمع العابر للحدود
ينبغي أن تثير المادة (63) من القانون الجديد قلقًا بالغًا لدى المجتمع الدولي، إذ تدّعي منح الصين ولاية قانونية على الأفراد والمنظمات الموجودة خارج أراضيها. فبموجب هذه المادة، تزعم بكين أنها تملك سلطة ملاحقة أي شخص في الخارج ترى أنه «يقوض الوحدة القومية».
وبذلك، يتحول قانون تعزيز الوحدة والتقدم القومي إلى أداة جديدة للقمع العابر للحدود. إذ تستطيع بكين، استنادًا إلى هذا النص، استهداف أفراد الجاليات الأويغورية والتبتية في الخارج، ومنظمات حقوق الإنسان الدولية، والصحفيين الأجانب، والباحثين والأكاديميين المقيمين في الدول الديمقراطية. ويصنف القانون المناصرة الدولية لحقوق القوميات داخل الصين باعتبارها انتهاكًا جنائيًا للأمن القومي الصيني. كما يفرض عمليًا على الأفراد المقيمين خارج الصين إثبات تأييدهم لمفهوم بكين لـ«الوحدة»، أو مواجهة احتمالات الانتقام من أفراد أسرهم الموجودين داخل الصين.
ولا يقتصر هذا التوسع في الاختصاص القانوني على كونه شأنًا إداريًا داخليًا، بل يمثل تحديًا مباشرًا لسيادة الدول الأخرى. فهو يفرض على الحكومات الأجنبية التعامل مع امتداد نفوذ الدولة الصينية داخل أراضيها، ويمنح بكين غطاءً قانونيًا لمواصلة مضايقة مجتمعات الأقليات في مختلف أنحاء العالم.
الاستغلال الاقتصادي والهندسة الديموغرافية
يؤكد القانون مرارًا على مفاهيم مثل «التنمية»، و«التعاون بين الأقاليم»، و«الحد من الفقر». غير أن هذه المفاهيم، في سياق وطن الأويغور، ترتبط ارتباطًا وثيقًا بسياسات نقل العمالة القسرية والهندسة الديموغرافية التي تنفذها الدولة. ويوفر قانون عام 2026 غطاءً قانونيًا دائمًا لهذه المنظومات، التي يصفها خبراء بأنها شكل من أشكال «العمل القسري البنيوي».
وفي ظل غياب أي سلطة حقيقية تتيح للأفراد رفض التكليفات الحكومية، يخضع المستهدفون للمراقبة عبر أنظمة رقابية مثل منصة العمليات المشتركة المتكاملة (IJOP). وقد يؤدي رفض الالتحاق ببرنامج لنقل العمالة إلى تصنيف الشخص على أنه «غير موثوق» أو «متطرف»، الأمر الذي قد يفضي إلى احتجازه. كما يشجع القانون على توطين المستوطنين من قومية الهان في مناطق الأقليات القومية، وهي سياسة تؤدي فعليًا إلى تغيير التوازنات الديموغرافية وتقويض الكثافة السكانية والثقافية للأويغور، والتبتيين، وغيرهم من القوميات.
السياق الجيوسياسي: انعدام الأمن الوجودي
يمكن تحليل سياسات الحكومة الصينية الاستيعابية من خلال الإطار النظري المعروف بـ «السعي الوجودي إلى الأمن» (Ontological Search for Security). فوفقًا لنظريات العلاقات الدولية، لا تسعى الدول إلى تحقيق الأمن المادي وحماية أراضيها فحسب، بل تسعى أيضًا إلى الحفاظ على هوية ذاتية مستقرة ومتماسكة. ومن هذا المنطلق، تنظر الدولة الصينية إلى استمرار وجود هويات قومية متميزة ومقاومة – مثل الهوية الإسلامية التركية للأويغور أو الهوية البوذية للتبتيين – باعتباره تهديدًا وجوديًا للسردية الرسمية التي تقوم على وجود «أمة صينية واحدة موحدة» (تشونغهوا مينزو).
وقد صنّف بعض الباحثين النهج الصيني في إدارة القوميات بوصفه شكلًا تدميريًا من «التشبث بالذات» (self-grasping). فإصرار الحكومة الصينية المستمر على فرض هوية وطنية متجانسة ليس نتيجة طبيعية لنظام سياسي مستقر، بل هو ضرورة تفضي إلى إنتاج الشك، والإكراه، والاحتكاك المستمر. ومن خلال محاولة فرض هوية وطنية واحدة عبر التدمير القسري للتنوع الثقافي، تُنتج الحكومة الصينية، بصورة غير مقصودة، حالة أعمق من انعدام الأمن الوجودي.
كما أن فرض الهوية الهانية من أعلى إلى أسفل يزيد من مشاعر المظلومية لدى الشعوب التي تعرضت تاريخيًا للاضطهاد، مثل الأويغور والتبتيين. ويؤدي هذا إلى إدخال مناطق مثل تركستان الشرقية (ما يُسمى بمنطقة شينجيانغ الأويغورية ذاتية الحكم) في دائرة مستمرة من الأمننة والتشديد الأمني، حيث تُعامل الهوية القومية والدينية بوصفها تهديدًا أمنيًا دائمًا، الأمر الذي يبرر المزيد من سياسات القمع والاستيعاب.
التداعيات الجيوسياسية والاستجابة الدولية
سعت الحكومة الصينية بنشاط إلى تسويق نموذجها في الحكم على المستوى الدولي. فقد روّج الدبلوماسيون الصينيون لفكرة «الاستقرار عبر الاستيعاب» أمام الدول التي تواجه تحديات تتعلق بالعلاقات بين المكونات القومية، مقدّمين الدمج الأمني بوصفه أداة فعّالة لمكافحة التطرف وإدارة التحديث الاقتصادي.
وفي أبريل/نيسان 2026، حذّر ائتلاف يضم ثمانية من المقررين الخاصين للأمم المتحدة من أن القانون يكرّس نهجًا استيعابيًا مركزيًا يُفرض من أعلى إلى أسفل على مستوى البلاد بأكملها، بما يتعارض مع عدد من المعاهدات الدولية، من بينها العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية واتفاقية حقوق الطفل. وأكد خبراء الأمم المتحدة أن القانون يمنح الدولة سلطة احتكارية في تفسير أشكال التعبير الثقافي، ويتدخل في تربية الأطفال داخل الأسرة، بما ينتهك حق الأقليات في الحفاظ على تنميتها الاجتماعية والثقافية واللغوية.
وجاء رد البرلمان الأوروبي حازمًا، إذ اعتمد في 30 أبريل/نيسان 2026 قرارًا يدين القانون. وأكد أعضاء البرلمان أن امتداد نطاق تطبيق القانون خارج الحدود الصينية يشكل أحد أخطر أشكال القمع العابر للحدود، ويهدد سيادة الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي وأمن مجتمعات الشتات. كما دعا القرار الدول الأعضاء إلى تعليق اتفاقيات تسليم المطلوبين مع الصين، وحث على تفعيل نظام الاتحاد الأوروبي العالمي للعقوبات على انتهاكات حقوق الإنسان بحق المسؤولين عن تنفيذ هذا القانون.
الخاتمة
في نهاية المطاف، يمثل قانون تعزيز الوحدة والتقدم القومي المخطط الهندسي الذي وضعه الحزب الشيوعي الصيني لبناء دولة أحادية الثقافة. فهو يجسد تتويجًا لاستراتيجية متعمدة تهدف إلى معالجة ما تعتبره الحكومة الصينية «المشكلة القومية»، ليس من خلال التوافق أو الاعتراف بالتعددية، وإنما عبر المحو المنهجي للهويات المختلفة. ومن خلال إدماج «سياسات القوميات من الجيل الثاني» في التشريع الوطني، حوّلت بكين السلطة التشريعية إلى أداة لتفكيك الأسس الثقافية واللغوية والدينية للأويغور، والتبتيين، والمغول، وغيرهم من القوميات.
إن هذا القانون ليس مجرد تشريع داخلي، بل يمثل إعلانًا رسميًا عن مشروع للمحو الثقافي، يحمل تداعيات تتجاوز حدود الصين. ويتعين على المجتمع الدولي أن يدرك أن هذا القانون لا يقتصر على تنظيم الشؤون الداخلية، بل يقدم نموذجًا قابلًا للتصدير في مجال الحوكمة. ففي الوقت الذي تسوّق فيه بكين «نموذجها للاستقرار» للأنظمة السلطوية الأخرى، يشكل قانون عام 2026 تحذيرًا واضحًا من الكيفية التي يمكن بها توظيف تشريعات الأمن الداخلي لتجاوز مبادئ السيادة الوطنية وتقويضها.
إن قانون عام 2026 ليس جسرًا نحو التماسك الاجتماعي، بل هو مخطط قانوني لتفكيك المجتمعات القومية للأقليات بصورة ممنهجة، وترسيخ الاستيعاب القسري باعتباره سياسة دولة.
حقوق الطبع والنشر لمركز الدراسات الأويغورية - جميع الحقوق محفوظة