• واشنطن العاصمة
تابعنا:

تدمير الثقافة الحية وتسويق بقاياها

بقلم أرتيكين أوغوز

على مدى ما يقرب من عقد من الزمن، لم تستهدف حملة الحكومة الصينية في تركستان الشرقية (المعروفة أيضًا باسم منطقة شينجيانغ الأويغورية ذاتية الحكم) حياة الأويغور وهويتهم الدينية وحريتهم فحسب، بل استهدفت أيضًا الأسس ذاتها للثقافة الأويغورية. فمنذ عام 2016، أصبح التدمير الثقافي ركيزةً أساسية في سياسات الإبادة الجماعية التي تنتهجها بكين ضد الأويغور وغيرهم من المسلمين الناطقين باللغات التركية. فقد دُمّرت المساجد والأضرحة القديمة، ومُحيت أحياء تاريخية عريقة تحت ذرائع “التنمية” و”التحديث”. ومن خلال هذا التدمير المنهجي، سعت الصين إلى فصل الأويغور عن ذاكرتهم التاريخية وإزالة المعالم الظاهرة لثقافتهم وتاريخهم المتميز من الأرض التي سكنوها لقرون طويلة.

ومع ذلك، نشهد اليوم مظهرًا صارخًا من مظاهر النفاق السياسي، حيث تحاول السلطات الشيوعية الصينية ذاتها التي أشرفت على هذا الدمار الثقافي إعادة تقديم نفسها بوصفها “حاميةً” للثقافة الأويغورية. فقد أصبحت وسائل الإعلام الرسمية الصينية، وعلماء الآثار، والمؤسسات الثقافية، تروج بشكل متزايد للمعارض ومشاريع الترميم والحملات السياحية التي تتمحور حول المواقع التاريخية والآثار الأويغورية.

وقد أصبحت هذه الاستراتيجية القائمة على الحفاظ الانتقائي والترويج لأجزاء محدودة من التراث التاريخي أكثر وضوحًا في الحملات الأخيرة المتعلقة بمدينتي تورفان وكوتشا، وهما من أبرز المراكز التاريخية للثقافة والتاريخ الأويغوري. فقد قامت السلطات الصينية مؤخرًا بالترويج لمعارض تضم آثارًا تم استخراجها من مقابر قديمة بالقرب من تورفان، وقدمتها في بكين باعتبارها دليلًا على التزام الصين بحماية “التراث الوطني المشترك”. وفي الوقت نفسه، كثفت وسائل الإعلام الرسمية الصينية حملاتها الترويجية لكهوف الألف بوذا في قيزيل بكوتشا (1)، مع التركيز على مشاريع الحفظ الرقمي، والأعمال الأثرية، والمعارض الفنية التي تعرض الجداريات القديمة.

وتحتفي الروايات الصينية اليوم برقمنة الرسومات الجدارية داخل الكهوف، وترميم المواقع البوذية التاريخية، والترويج التجاري لثقافة طريق الحرير القديمة. ويستعرض المسؤولون والباحثون بفخر مئات الجداريات والهياكل الكهفية التي تم الحفاظ عليها، في محاولة لإظهار ما تزعم الصين أنه احترام للتنوع الثقافي في المنطقة. ويُدعى الجمهور الدولي للإعجاب بأجزاء منتقاة بعناية من التراث الأويغوري وما قبل الإسلامي، بينما لا تزال الثقافة الأويغورية الحية المرتبطة بهذه المواقع تتعرض لقمع غير مسبوق.

وما يجعل هذه الحملة مقلقة بشكل خاص هو الصمت الذي يحيط بالسياق الأوسع الذي تجري فيه. فالسلطات نفسها التي تقدم نفسها اليوم بوصفها حاميةً للثقافة أشرفت على تدمير عدد لا يحصى من المساجد والمقابر والمخطوطات والأماكن المقدسة في مختلف أنحاء تركستان الشرقية. كما تعرض المفكرون والكتاب والفنانون والمؤرخون والأكاديميون الأويغور للسجن أو الإخفاء أو إسكات أصواتهم. وقد جرّمت الدولة مظاهر الهوية الأويغورية العادية، من اللغة والدين إلى الموسيقى والعادات التقليدية. وفي كثير من الحالات، لم يعد الأشخاص الذين شيد أسلافهم هذه المواقع الثقافية وحافظوا عليها أحرارًا في زيارتها أو الحديث عنها علنًا أو حتى البقاء في وطنهم.

لذلك، لا يمكن فهم ما تسميه الصين “حملة الحفاظ الثقافي” على أنه حماية حقيقية للتراث. بل إنه يمثل محاولة للسيطرة على السردية المتعلقة بالتاريخ الأويغوري ذاته. فمن خلال الحفاظ الانتقائي على الآثار القديمة بالتزامن مع تفكيك الحياة الثقافية والدينية الحية، تسعى السلطات الصينية إلى تحويل الحضارة الأويغورية إلى قطعة متحفية منزوعة الطابع السياسي، يمكن عرضها وتسليعها وتسويقها للسياح، مع فصلها عن الشعب الذي أنشأها.

وتعكس هذه الاستراتيجية نمطًا استعماريًا أوسع شهدته مراحل عديدة من التاريخ: تدمير الثقافة الحية، وإسكات أصحابها، ثم الحفاظ على بقايا مُنقّاة منها باعتبارها غنائم للحكم الإمبراطوري. وفي هذا الإطار، يصبح التراث أداة للدعاية السياسية بدلاً من أن يكون انعكاسًا لاحترام حقيقي للتنوع الثقافي. إن الصين لا تحافظ على الثقافة الأويغورية، بل تعيد تشكيلها بصورة تتوافق مع ما يقبله الحزب الشيوعي الصيني، بعد تجريدها من معناها الديني وهويتها السياسية وذاكرتها التاريخية المستقلة.

وبالنسبة للأويغور، فإن الدمار الذي شهدوه منذ عام 2016 يعيد إلى الأذهان ذكريات مؤلمة من فترة الثورة الثقافية بين عامي 1966 و1976، عندما تعرضت المساجد والمخطوطات والأضرحة والكنوز الثقافية في مختلف أنحاء تركستان الشرقية للهجوم والتدمير. إلا أن الحملة الحالية تجاوزت تلك المرحلة من حيث الحجم والتطور. فالقمع اليوم لا يُنفذ في ظل فوضى ثورية، بل عبر أنظمة مراقبة متقدمة، ومعسكرات احتجاز جماعية، وسياسات استيعاب قسري، وإعادة كتابة للتاريخ بإدارة الدولة، وكل ذلك يجري أمام أنظار المجتمع الدولي.

إن المأساة لا تكمن فقط في تدمير التراث الثقافي، بل في أن هذا التدمير يُعاد تقديمه اليوم على أنه عملية حفاظ وصون. ويُطلب من العالم أن يصفق للأطلال التي جرى ترميمها بعناية، بينما يلتزم الصمت تجاه اختفاء الشعب الذي تعود إليه هذه الآثار.

فلا يمكن الحفاظ على حضارة في الوقت الذي تُقمع فيه لغتها، ويُسجن علماؤها، وتُجرف مقابرها، ويُرهب شعبها حتى الصمت. فالتراث الثقافي ليس مجرد حجارة أو جداريات أو مواقع سياحية، بل هو الرابط الحي بين الشعب وذاكرته وعقيدته ووطنه. ومن دون هذا الرابط الحي، لن يصبح “الحفاظ على التراث” أكثر من مجرد مسرحية سياسية.

بقلم إرتيكين أوغوز لصالح مركز الدراسات الأويغورية – وحدة الدراسات الأويغورية.

ملاحظة:
1. كهوف الألف بوذا في قيزيل، أو كهوف قيزيل، والمعروفة بالأويغورية باسم قىزىل مىڭ ئۆي (Qizil Ming Öy)، تعد من أهم المواقع التاريخية والفنية في موطن الأويغور وعلى امتداد عالم طريق الحرير. ويعود تاريخها تقريبًا إلى الفترة الممتدة بين القرنين الثالث والثامن الميلاديين، وتشتهر بجدارياتها البوذية التاريخية وأعمالها الفنية التي تعكس الحضارات المتنوعة التي شكلت آسيا الوسطى.

تصفّح المقالات

حقوق الطبع والنشر لمركز الدراسات الأويغورية - جميع الحقوق محفوظة

This website uses cookies. By continuing to use this site, you accept our use of cookies.