• واشنطن العاصمة
تابعنا:

وداعًا يا أمي

بقلم: إلشات حسن كوكبوره

منذ آخر مرة تحدثت فيها مع والدتي عبر الهاتف، في منتصف شهر أغسطس/آب 2016، لم أتوقف يومًا عن البحث عن أي خبر عنها. كنت أترقب أي نبأ يصلني، وأبحث عن كل فرصة ممكنة لأتحدث إليها مرة أخرى.

بعد أن أطلقت الحكومة الصينية حملتها الإبادية ضد الإيغور عام 2017، ازداد خوفي على سلامة والدتي. بذلت كل ما بوسعي، وسلكت كل طريق خطر ببالي، لأعرف ماذا حل بها. ومن خلال أصدقاء من الإيغور، والكازاخ، والهوي، والصينيين، واصلت البحث عن أي خبر عنها، أي خبر على الإطلاق، سواء كانت على قيد الحياة أم فارقت الحياة.

لكنها بدت وكأنها اختفت من على وجه الأرض.

لم يكن أحد قادرًا على إخباري بأي شيء.

قال لي أحد الأصدقاء إن السؤال عن والدتي أصبح أمرًا بالغ الخطورة، حتى إن أقاربنا أنفسهم كانوا يخشون التحدث عنها. وأخبرني صديق آخر أن الشخص الذي أرسله ليستفسر عنها احتجزته شرطة مدينة هامي طوال يوم كامل.

وفي النهاية، لم يكن أمامي سوى التوقف عن البحث. وكنت أواسي نفسي بالمقولة الإنجليزية: “عدم وجود أخبار هو خبر جيد.” لكن في أعماقي، ظل الأمل في معجزة لا يفارقني. كنت أتخيل أن الهاتف سيرن يومًا ما، فأسمع مرة أخرى صوت والدتي الحنون المليء بالمحبة. وكنت أشتاق لأن أسمعها تقول لي كما كانت دائمًا:

“يا بني، أنت صقري. أنا فخورة بك. وستحلق عاليًا، وستبلغ آفاقًا بعيدة.”

وأحيانًا كنت أتمنى لو أتيح لابنتي الصغرى أن تتحدث مع جدتها ولو لمرة واحدة عبر الهاتف، وأن تناديها: “جدتي! جدتي!” لتعرف أن في هذا العالم نوعًا آخر من الحب، هو حب الجدة.

ومضت السنوات، وأنا أدور في حلقة لا تنتهي من الأمل، والانتظار، وخيبة الأمل، ثم تجدد الأمل من جديد. ولم أشعر إلا وقد مضت عشرة أعوام كاملة منذ انقطع اتصالي بوالدتي.

ومنذ منتصف شهر مايو/أيار من هذا العام، بدأت أراها في أحلامي كل ليلة تقريبًا. سواء في النهار أو الليل، لم تكن صورتها تفارق مخيلتي، ولم يكن صوتها يغيب عن أذني. شعرت أن أمرًا خطيرًا قد وقع. كان صدري يضيق يومًا بعد يوم، وكان حزن لا أستطيع وصفه يغمرني. وكنت أشعر برغبة جارفة في البكاء، بل في الصراخ.

وفي إحدى الليالي، في أوائل شهر يونيو/حزيران، رأيت حلمًا.

كان هناك جدول ماء صغير. كانت والدتي تقف على الضفة المقابلة، بينما كنت أقف أنا على هذه الضفة. وما إن رأيتها حتى صرخت بأعلى صوتي:

“أمي! أمي! أنا هنا!”

حاولت أن أعبر الجدول لأضمها، لكنني لم أستطع التحرك. وبدا أنها مدت يدها نحوي، لكن لم يتمكن أي منا من الوصول إلى الآخر.

وأنا أصرخ: “أمي! أمي!” استيقظت من نومي ودموعي تنهمر.

في صباح اليوم التالي سألتني زوجتي لماذا استيقظت مبكرًا، فأخبرتها أنني رأيت والدتي في المنام مرة أخرى. وقلت لها بحزن:

“في الآونة الأخيرة أحلم بوالدتي طوال الوقت. لا يفارقني صوتها ولا صورتها. أخشى أنها مريضة، أو أن شيئًا قد حدث في البيت.”

فحاولت زوجتي أن تطمئنني قائلة:

“لقد بقيت وحدك في المنزل خلال الأشهر الماضية، ومضى وقت طويل منذ رأيت عائلتك. لا تقلق، إنك تشتاق فقط إلى والدتك وأهلك. لن يصيب والدتك مكروه بإذن الله.”

لكن قلقي لم يفارقني. كان ذلك الشعور الغامض يلازمني باستمرار. كنت أشعر وكأن روحي قد غادرت جسدي. بقيت طوال اليوم شارد الذهن، مضطربًا، لا أستطيع القراءة، وكلما حاولت الكتابة عجزت. لم يكن قلبي يعرف السكينة.

وفي صباح الحادي عشر من يونيو/حزيران، استيقظت فجأة من حلم آخر. لم أعد أتذكر تفاصيله، سوى أنه كان مرعبًا ومليئًا بالفوضى.

وبعد نحو ساعة، وبعد أن غادرت زوجتي إلى عملها، تذكرت أنني لم أتحقق من هاتفي. أمسكته، فوجدت رسالة جديدة على تطبيق واتساب.

كانت من أحد أقاربي البعيدين في تركيا، ولم أكن قد تحدثت إليه منذ أكثر من عام.

في تلك اللحظة، ارتجف قلبي.

شعرت بطريقة لا أستطيع تفسيرها أن الرسالة تتعلق بوالدتي.

فتحت الرسالة، وسارعت بالرد، وسألته عن أحوالهم.

فجاءني الرد:

“أخي الكبير… هل يمكنني الاتصال بك؟”

أدركت أنه لا جدوى من الانتظار.

فاتصلت به فورًا.

اجتاحت قلبي موجة هائلة من الحزن، وشعرت وكأن صخرة ضخمة قد وُضعت فوق صدري. كدت أختنق، وظننت أنني سأفقد الوعي. وبصعوبة شديدة تماسكت وسألته عما حدث.

وبعد صمت طويل، قال بصعوبة بالغة:

“أخي… لقد توفيت والدتك.”

وربما خوفًا من ألا أصدق، أردف قائلاً:

“لقد تأكدت من الخبر مرتين من أفراد العائلة.”

لم أطرح سوى سؤال واحد.

“متى؟”

فأجاب:

“توفيت في الثامن من يونيو/حزيران، في كويتون. وسمعت أن السلطات أصرت على نقل جثمانها إلى هامي لدفنها هناك. هذا كل ما أعرفه. أسأل الله أن يلهمك أنت وعائلتك الصبر.”

وكأنني آلة، لم أقل سوى:

“جزاك الله خيرًا يا أخي.”

ثم أغلقت الهاتف.

جلست على الأريكة وقتًا طويلًا جدًا.

وفي النهاية اتصلت بزوجتي، وأخبرتها أن والدتي قد رحلت.

وبعد سنوات طويلة من الانتظار، كان الخبر الوحيد الذي وصلني عنها هو خبر وفاتها.

وفي اليوم التالي، صليت مع عدد من الإيغور المقيمين في منطقة واشنطن العاصمة صلاة الجنازة على والدتي في مسجدنا المحلي.

وخلال الأيام الأولى بعد سماعي الخبر، كنت أعيش وكأنني في حلم. في أعماقي كنت أرفض أن أصدق أنها رحلت حقًا. كنت أشعر أنها لا تزال على قيد الحياة. بل إن جزءًا مني كان يتساءل إن كان قريبي قد أساء الفهم.

وبعد أسبوع من معرفتي بوفاتها، اجتمع عدد من الأصدقاء في منزلي بعد صلاة الجمعة. قرأنا القرآن الكريم على روح والدتي، ودعونا الله أن يرحمها ويسكنها جنات النعيم.

ثم قلت لهم:

“لقد انتظرت خبر والدتي سنوات طويلة. وفي اليوم الذي علمت فيه بوفاتها، شعرت وكأنها جاءت إلى بيتنا. جاءت لتراني، وترى أسرتي وأحفادها. وخلال هذه الأيام شعرت أنني عدت لأكون معها من جديد. تحدثت إليها مرة أخرى. وعشت من جديد حب الأم لابنها. ورغم أن عيني وقلبي يغمرهما الدمع، فإنني أشعر بالسعادة.”

ثم تابعت:

“اليوم أريد أن أودع والدتي الحبيبة. لقد عانت كثيرًا بسببي. واليوم لم تعد مضطرة للقلق على بناتها من السجن، ولا على أحفادها من إرسالهم إلى معسكرات الاحتجاز. ولم تعد مضطرة لتحمل الترهيب المستمر من أجهزة الأمن أو من مكان عملها. ولم تعد تخشى أن تُقتاد إلى أحد معسكرات الاعتقال.

أرجوكم، ادعوا معي. ساعدوني في أن أودع أمي.

شكرًا لكم.”

وبعد أن غادر الجميع، جلست وحدي في مكتبي.

ولم تتوقف أفكاري.

لقد رحلت أمي.

أغمضت عينيها إلى الأبد.

رحلت وهي تحمل معها آمالًا وأحلامًا وحسرات لا تُحصى، حسراتها هي، وتلك التي ائتمنتني عليها.

رحلت عن الأرض التي أحبتها بكل قلبها.

ورحلت عن البيت الذي انتظرت فيه عودة ابنها سنوات طويلة.

أما أنا، فلم يبق لي إلا أن أقف على الجانب الآخر من العالم، تفصلني عنها المحيطات الشاسعة، وأودعها من بعيد.

لم تتح لي الفرصة لأراها للمرة الأخيرة.

ولم أتمكن مرة أخرى من الإمساك بيديها الدافئتين الحنونتين.

ولم تتح لي فرصة أن أناديها مرة أخرى: “أمي.”

وحتى اليوم، ما زلت أتذكر الكلمات التي كانت ترددها دائمًا:

“يا بني، أنت صقري. وستحلق عاليًا، وستبلغ آفاقًا بعيدة.”

أمي…

لقد حلقت بعيدًا جدًا.

بعيدًا حتى عبرت المحيطات، والقارات، ونصف العالم.

لكنني في النهاية، لم أستطع أن أعود إليك.

واليوم، يمكنك أخيرًا أن تستريحي بسلام.

أسأل الله، برحمته الواسعة، أن يتقبل روحك، وأن يجعل مثواك الفردوس الأعلى.

أما أنا، فسأواصل ما تبقى من حياتي مستندًا إلى الحب الذي غرسته في قلبي.

أمي…

لقد كان أعظم شرف في حياتي أن أكون ابنك.

أسأل الله أن يجمعنا من جديد برحمته.

وداعًا يا أمي.


نُشر هذا المقال في الأصل باللغة الصينية في صحيفة “ييباو الصين” (Yibao China). ثم تُرجم إلى اللغة الإيغورية ونشره موقع “Uyghur Post“، وبعد ذلك تُرجم إلى الإنجليزية ونشره موقع “Uyghur Times”، كما ترجمه إلى العربية مركز الدراسات الأويغورية.

تصفّح المقالات

حقوق الطبع والنشر لمركز الدراسات الأويغورية - جميع الحقوق محفوظة

This website uses cookies. By continuing to use this site, you accept our use of cookies.